جان لوئيس بوركهارت
152
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
رحالنا بوادي أبو بروشن بعد مسيرة عشر ساعات . وتقوم هنا سلسلة جبال تمتد صوب الشمال الغربى . وفي رمال هذا الوادي الجرداء تنمو بعض أشجار السلم ، وهي ضرب من السنط يطريه العرب لشدة صلابته فيصنعون منه القنا ، ومن أغصانه الرفيعة عصيا في غلظ إبهام اليد ، طول العصا منها ثلاث أقدام ، وهم يثنون طرفها في النار وخشبها ما يزال أخضر ، ثم يدعكونها مرارا بالشحم حتى تغدو قوية ثقيلة ، ويحمل الرجل منهم عصا من هذه العصى التي يسمونها سلمة « * » . ويؤثر البشاريون في صنع هذه العصى شجرا آخر غير السلم يدعونه الدّضه ، وينمو على مقربة من البحر الأحمر . وفي وادى أبو بروش لقينا أول فوج من الغزلان مذ بارحنا دراو ، ولا يتوقع المرء أن يكثر الحيوان البرى حيث لا يكون الماء إلا في الآبار العميقة . 13 مارس - استأنفنا المسير قبل شروق الشمس ، وبعد ثلاث ساعات بلغنا وادى أم برد ، وهو واد فسيح طيب يزخر بالشجر . وحلقت فوق رؤوسنا أسراب كبيرة من طيور بيض ، في حجم الإوز كانت تتجه صوب الشمال . ويسمى العرب هذا الوادي « أم برد » لأن الهواء فيه يهب باردا حتى في الصيف ، وهو مفتوح صوب النيل ، ومنه تهب الريح عادة في هذا الفصل . ووجدنا الوادي حين مررنا عليه في الصباح الباكر قارس البرد حتى اضطررنا عند وقوفنا به هنيهة أن نستدفىء بنار أشعلناها في بعض الأشجار الجافة التي تنتشر في الوادي . قضينا فيه ساعتين ، وعبرنا سلسلة من التلال ، ثم وقفنا بواد آخر لنستريح ساعة الظهيرة . وكانت هذه الوقفات مثار النزاع والشجار طوال الرحلة ، ذلك أن فتيان القافلة كانوا إذا علموا أن شيوخها يزمعون الوقوف بواد ساروا إليه حثيثا ليسبقوا غيرهم إلى أكبر شجرة أو صخرة معلقة يتفيأون ظلها هم وجماعتهم . وكانوا كل يوم يختلفون فيما بينهم أيهم سبق صاحبه إلى الشجرة ؟ أما أنا فطالما أقصونى عن الظل الوارف لأصلى نار الشمس المحرقة ، وكنت في العادة أقضى ساعات الظهيرة في كرب شديد وألم ممض : ففضلا عن تعرضى للقيظ كان علىّ أن أطهو طعامي ،
--> ( * ) السلمة معروفة في كافة أرجاء النوبة والتاكة وسواكن ، وقل أن نجد رجلا لا يحمل سلمه إن لم يحمل رمحا .